ابن كثير

168

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ونهيكم الذي نهاكم عنه . فقالوا : ومن يأخذه بقولك أنت ؟ لا واللّه حتى نرى اللّه جهرة حتى يطلع اللّه علينا فيقول : هذا كتابي فخذوه ، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى ، وقرأ قول اللّه لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً قال : فجاءت غضبة من اللّه فجاءتهم صاعقة بعد التوبة فصعقتهم فماتوا أجمعون ، قال : ثم أحياهم اللّه من بعد موتهم ، وقرأ قول اللّه ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فقال لهم موسى : خذوا كتاب اللّه ، فقالوا : لا ، فقال : أي شيء أصابكم ؟ فقالوا : أصابنا أنا متنا ثم أحيينا ، قال : خذوا كتاب اللّه ، قالوا : لا ، فبعث اللّه ملائكة فنتقت « 1 » الجبل فوقهم . وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا . وقد حكى الماوردي في ذلك قولين : أحدهما : أنه سقط التكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق ، والثاني : أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف ، قال القرطبي « 2 » : وهذا هو الصحيح لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أمورا عظاما من خوارق العادات ، وهم في ذلك مكلفون وهذا واضح ، واللّه أعلم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 57 ] وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 57 ) لما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم ، شرع يذكرهم أيضا بما أسبغ عليهم من النعم ، فقال : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وهو جمع غمامة ، سمي بذلك لأنه يغم السماء أي يواريها ويسترها ، وهو السحاب الأبيض ظللوا به في التيه ليقيهم حر الشمس ، كما رواه النسائي وغيره عن ابن عباس في حديث الفتون ، قال : ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام . قال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن عمر والربيع بن أنس وأبي مجلز والضحاك والسدي نحو قول ابن عباس . وقال الحسن وقتادة وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ كان هذا في البرية ، ظلل عليهم الغمام من الشمس . وقال ابن جرير : قال آخرون : وهو غمام أبرد من هذا وأطيب . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أبو حذيفة حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ قال ، ليس بالسحاب هو الغمام الذي يأتي اللّه فيه يوم القيامة ولم يكن إلا لهم . وهكذا رواه ابن جرير عن المثنى بن إبراهيم عن أبي حذيفة « 3 » ، وكذا رواه الثوري وغيره عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وكأنه يريد ، واللّه أعلم ، أن ليس من زي هذا السحاب بل أحسن منه وأطيب وأبهى منظرا ، كما قال سنيد في تفسيره عن حجاج بن محمد عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ قال : غمام أبرد من هذا وأطيب وهو الذي يأتي اللّه فيه في قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ

--> ( 1 ) نتقت الجبل : رفعته من مكانه لترمي به . أو : هزّته ونفضته . ( 2 ) تفسير القرطبي 1 / 405 . وما حكاه الماوردي نقله القرطبي . ( 3 ) الطبري 1 / 233 .